الثلاثاء، 31 مايو 2011

أفتح يا سمسم

وهكذا لم أره خلال عشرين عاما إلا عشرة شهور بمعدل شهر كل سنتين وانقسمت زيارته إلى فرحة عارمة أول أسبوع نبيت جميعا فى حضنه الدافئ ونفتح الحقائب المليئة بالهدايا والألعاب والملابس كأننا نفتح كنز على بابا وهذا للمصادفة كان أسم أبى لذلك كنا نفتح الحقائب ونحن نردد (أفتح يا سمسم), الأسبوعان الأوسطان كنا نشعر بالملل لأن نمط حياتنا تغير ونحن غير معتادين على وجوده ونجد صعوبة واختناق من أسئلته التي لا تنتهى وكان الحل أن نلتزم البيت فى ذلك الشهر ولا بأس أن نجلس معه, أما الأسبوع الأخير والذى كنا نسميه أسبوع البكاء لأننا نظل نبكى لأنه سيرحل ثانية وسيفصلنا عنه سبعمائة وثلاثين يوما, تحزن أمي إلى الحد الذى يجعلها تصمت سبع أيام سويا وعادة ما تشب المشاجرات بينهما لأنها تلح عليه بالبقاء والإكتفاء من الغربة والسفر وعندما تحين لحظة الوداع وتأتى تلك السيارة البيضاء ويركب وهو حزينا ثم نجرى وراء العربة حتى أخر الشارع ونحن نلوح له ونستجديه أن يعود وبعدها ننام نحن الثلاثة على سرير واحد ونظل نبكى حتى يغلبنا النعاس وفى الصباح يكون كل شعور بالحزن ذاب وتبخر ونعود لحياتنا العادية مسيطرا علينا أن كل ذلك كان حلما لكن الملابس الجديدة والسترات الغالية والأقلام والأدوات الهندسية التي نحملها إلى المدرسة ونتلقى الأعجاب بها من زملاءنا تذكرنا أنه لم يكن حلما, أخر مرة عاد فيها كان مختلفا عن كل مرة بالغ فى تقبيلنا وكان يبكى كلما أحتضن أحدنا, لقد بدا عليه السن أكثر من أي وقت مضى كان يقول أن النوم خسارة لأنه سيبعدنا عنه فصار ينام فى حجرتنا ومر الأسبوع الأول كعادته وجاء ملل الأسبوع الثاني كعهده وتجدد حزننا لأن الموعد للرحيل اقترب وفى يوم الخميس الأخير والذى نسهر فيه معه لأن تلك أخر ليلة أخبرنا لأول مرة أن لكل منا حسابا فى البنك بأسمه وأنه اشترى بيتا جديدا واسعا سننتقل إليه بعد أن يتم دهانه وأعطى كلا منا علبة بها بعض المشغولات الذهبية, أنا البنت الوحيدة وكانت علبتي أكبر أما أخوياي الباقيين فهي الشبكة التي سيقدمها لعروسيهما ثم نظر إلى الأجهزة التي نضعها فوق الدولاب وتحت السرير بل أننا نخصص لها حجرة كبيرة ولم يبد سعيدا ولم يشعر بالفرحة التي انتابتنا إيذاء كل تلك النعم قبلنا وخلد إلى النوم وكانت نومته الأبدية رحل هكذا فى صمت وبعد أن جريت وراء جنازته إلى أخر الشارع كما أعتدت أن اعدو وراءه وأنادي عليه وأتمنى أن تتوقف العربة  ويعود لنا وبدا لي ذلك شيء سهل التحقيق,  كنت اعرف تلك المرة أن هذا مستحيلا وبعد تعب هذا اليوم نمنا فى غرفة واحدة وبكينا حتى تورمت عيوننا ولم نستطيع مغالبة النعاس وفى الصباح تفاجئت أن حزني أنتهى واصبحت اذكر نفسي أن أبى مات ولم يسافر لكنى كنت أنسى ثانية وفهمت من حال اخوياي أن هذا هو شعورهما.
وهكذا لم استطيع الحزن عليه إلا ليلة واحدة لأنى كنت معتادة على رحيله ومازلت اتذكره واشتاق له كل عامين وأخجل حقا عندما أجدني مفتقدة الحقائب والهدايا أكثر منه بل أنى مازلت أفتح الحقائب الفارغة وأنا أردد (أفتح يا سمسم).