الخميس، 2 يونيو 2011

جيد جدا "اى شخص يجد تشابه بينه وبين بطل القصة يعرف أنى فعلا أقصدة"

مر أمامى وأبتسم بوداعة واضحة, فكرت لا يبدو كما يقولون عنه وتحيرت وأنا أقف مستندة على أحد الحوائط أمام نافذة واسعة تطل على جانب أخر من الكلية التى أنشت بنظام دائرى بحيث إذا أدرت أن تتمشى فى أحد الأدوار فإنك تدور حوله لتعود من حيث بدأت كنت أمسك بأوراق التسجيل الزرقاء وبقى متاحا لى مادة واحدة أخرى لأكمال عدد الساعات المطلوبة, وعلى الرغم من غرابة نظام الساعات المعتمدة هذا إلا أنه لم يكن يخلو من المميزات ومن العيوب أيضا. كنت أود ان أقوم بتسجيل مادة ذلك الأستاذ الذى مرق مبتسما ولم تكن مادة سهلة ولم يكن هو أيضا سهلا, بعد تفكير توصلت أن شيئا لن يتغير إذا أجلت المادة لفصلا أخر إذ لا أمل فى تغير الأستاذ لأنها مادته الثابتة وهو الوحيد فى القسم المتخصص فيها تذكرت وجهه الباسم وقمت بالتسجيل.
فى أولى المحاضرات كان لطيفا متكلما وعالما كبيرا فى مادته نسيت كل التوجسات وكل ما يقال وبقيت أستمتع بالمحاضرات التى لا تتسم بالطول فى ثالث محاضرة طلب بحثا ما وقال إن على كل طالب تسليمه بنفسه الأسبوع القادم ويوم التسليم وقف الجميع أمام حجرته ينتظر الدور كنت أراقب وجوه الخارجين التى كان يعلوها تعابير مختلفة وجوم تعجب سخط حزن ضحك لا معنى له, عندما أقترب دورى رأيناه يخرج من مكتبه وأغلقه وراءه بالمفتاح, تذاحمت عليه الطلبة متسألين فقال أنه سيعود ظللنا نتظر  نتحدث وندردش ثم طال انتظارنا وحاولنا الصمود البعض انصرف والبعض أتكأ على كتف زميله وعندما رأيت البعض يفترش البالطو ويجلس عليه تشجعت وفعلت مثلهم مرت ساعة اخرى وبدأ مغصا دوريا يعاودنى فأنصرفت.
فى اليوم التالى ذهبت إلى المكتب فوجدت البعض يقف فسألتهم متى جاء بالأمس فقالوا فى الرابعة.
دخلت فوجدت الغرفة تعج بالأناث بعضهن زميلاتى المقربين فجلست...
نظر لى وسألتى عن أسمى فأخبرته فقال
 - جميل ... هى مثلا تبدو لى جميلة بعيونها البنية الحكيلة لكن من يدرى ربما لو عرفتها لغيرت رأيى ورأيتها فى منتهى القبح...
هز الجميع رؤسهن فاهمات الفكرة ففهمت أن كلامه كان أستانفا لحديث بدأ قبل أن أدخل وتأكدت عندما أكمل
- زوجتى راقتنى بيضاء خضراء العيون النمط الذى احبه وحقيقة لا أخفى أن ذلك يرجع لكونى فلاح وهذا هو القالب المثالى للجمال بالنسبة لمعظم الفلاحين
ضحك الجميع وضحكت رغم أستغرابى وعندما ظل صامتا مفكرا وضعت البحث على المكتب
قال وهو يلقى به سلة القمامة
- ما هذا؟
قمت لا شعوريا وألطقته ومسحته بيدى
- هذا هو البحث.
قال فى رتابة
- كان ذلك بالأمس انتهى الموضوع
قلت - لكن أنا انتظرتك ساعتين ولم ....
قال - هذا هو المفروض انا الأستاذ وعلى الجميع أنتظارى
قلت - لكن اليوم مثل الأمس لا فرق وأنا أنتظرت ساعتين واضطررت ...
قال - إما  أن تغيرى الموضوع وتجلسى أو تنصرفى جلست صامتة محاولة عدم إظهار غضبى الشديد .
قال - زوجتى باردة جدا اتذكر حبيبتى القديمة وأرتعاشة يدها الساخنة عندما ألمسها قبلتنا الأولى تحسسى لجسدها الغض البديع صدرها الشهى كالتفاحة
لم أصدق ما سمعت ونظرت حولى لأتأكد إين أنا ورأيتهن جميعا مذهولات صامتات
قال - هل تعرفن هى أستاذة هنا لكن فى قسم أخر(وذكر اسمها كاملا) اه كم اشتاق لتلك الأيام وقتها كنت صعلوك معيد فقير ضعيف كان مشرفى الأستاذ (وذكر اسمه) رحمه الله يسخر منى بل وجعل منى خادما تخيلوا بعث بى يوما لأصلح حذاءه لعنة الله عليه كان تافها ومغرورا
صمت وصمتنا
نظر إلى وقال - انظروا إليها أن بها عيبا خطير رغم عيونها البينة  تعبس حينما لا تأخذ ما تريد
نظرن لى وابتسمن
قال  مخاطبا زميلتى جوارى - أما انت فرقيقة وديعة كل ما يهمك هو الكلمة الجميلة
ردت  - صح ولهى
عاد يحدثنى - كل شخص يشبهنى بحيوان معين
ضحكن ماعدا صديقنى المقربة غمزت لى وقالت بشفاهها دون صوت "كبرى مخك"
عاد يقول - انت تشبهين الحمام الهزاز
قلت مستنكرة - الهزاز؟
قال - نعم أنه نوع من الحمام له بعض الريش أعلى رأسه ودائما يهز رأسه فى خيلاء وكبرياء مثلما تحركين رأسك
قال - أنه جميل حقا وربما يكمن جماله فى غروره الواضح
قال - أريد ان تحضر كل واحدة منكن شيئا لى هل تفعلون؟
قلن - نعم بالطبع
طلب من زميلتنا التى تسكن بالريف بطا وفطيرا وجبن قديم وطلب من زميلة منتقبة راجعة لتوها من الخليج مشغل اسطوانات وطلب منى نسخة جيدة من كتابى فقه السنة وفى ظلال القرآن

قلت - لكن أنا سأرسب لأنى لم اقدم البحث لماذا أتى بالكتب
قال - تلك ليست رشوة تهادوا تحابوا
قلت- لكن أنت لا تحب العابسين النكدين
قال - نعم لكنى قلت أنك جميلة وتشبهى الحمام الهزاز
قلت - نعم الكلام الجميل هدية
قال- نعم
قلت - لكنى لن احضر شىء
قال - بالطبع
دخل أحد المعيدين وكنت أعرفه كان جار قديم لعمتى وحضرت زفافه منذ سنتين, ابتسم لى وتكلم مع  الأستاذ وانصرف بعدها أنتبه وأعتدل وقال
قال - زوجته حدثتنى منذ شهر على الهاتف وشكت لى تأخر زوجها فى انهاء الماجيستر وظلت تهاتفنى ليلا وتجرنى لأتحدث معها فى أشياء غريبة  لكنى لم اجاريها وفى يوم جاءت إلى مكتبى وعرفتنى بنفسها فكدت اضرب نفسى بالجزم القديمة
ثم سكت وشعرت بالحر والحرارة تخرج من جسدى
قال – جميلة جميلة فعلا ممتلئة الجسم شقراء الشعر و....
عندها وقفت وافرغت حقيبة يدى وبحثت فى المحفظة عن صورة زفاف المعيد وعندما وجدتها قلت
- أنت كاذب ووضيع وهذه زوجة الدكتور ليست بيضاء ولا شقراء الشعر انها نحيفة جدا وسمراء وللعلم هى مسافرة إلى الكويت منذ سنة تعمل هناك طبيبة
قام الجميع وسمعت ضجة واصوات الحقائب فنظرت لهن وقلت
- لماذا تنصرفن الأن  اجلسن استمعن إلى فواحشه واكاذيبه
قام ووجهه اصفر شاحب فيما غابت ابتسامته الوديعة وحاول أن يجلسنى لكنى ازحته واخذت البحث من سلة المهملات وصرخت
 – لقد سهرت ثلاث ليال اكتب فيه لتلقيه فى الزبالة لماذا لماذا فقه السنة والحمام الهزاز واضرب نفسى بالجزم وزجتى باردة وتهادوا تحابوا وشعرها البنى ولا أعرف ماذا الأبيض   لماذا ما علاقة كل ذلك بمادتك اللعينة ؟
انصرفت وانصرف زميلاتى وراءى وقلن أننى شجاعة لكنى لن انجح فى المادة فقلت أن هذا لا يعننى وأننى مازلت فى المستوى الثانى وسأسجلها كل فصل حتى انجح أو حتى سأغير القسم أو الجامعة كلها...
وأنتهى الفصل سريعا وبقيت استذكر فى البيت ورغم أنه بعث لى برسالة صريحة أنه من الأفضل لى أن لا أحضر الأمتحان وأهدر وقتى إلا أنى حضرت.... كان فصلا مهما سجلت فيه الكثير من المواد الصعبة وأنتظرت النتيجة وكنت أذهب كل يوم إلى الكلية أسأل عن النتيجة لى ولزميلاتى الاتى يسكن بعيدا وفى يوم شتوي ماطر وأنا ادور حول نفسى فى القسم وجدت أحد النتائج معلقة ... وقفت أمام الحائط وبنظرة اولى أكتشفت أن المعظم راسبون ثم بحثت عن أسمى وتنهدت فرحة وعندما مشيت قليلا فى الرواق وجدت زميلا لى قادما وتذكرت ما قاله لى سابقا فرجعت اتفقد النتيجة وعندما تأكدت مما أردت عدت له فإذا به مبتسما ملوحا بيده قال – مبروك ألم أقل لك أنت الوحيدة التى نحجت فى الكشف كله
تظاهرت أنى لا اذكر
قال – قلت لك سابقا أنه مسيحى وسيعتقد من أسمك أنك كذلك كل المسحين ينجحون من المرة الأولى
قلت – تقصد أنى نحجت لأن أسمى يبدو مسيحيا؟
قال – نعم
قلت – غريب جدا,  ولكن هل تعلم  ينحج فى هذه المادة من المرة الأولى الأذكياء فقط لذلك أنت تأخذها للمرة الرابعة كما أن المسيحين الخمسة المسجلين للمادة رسبوا جميعا,  ميريت وباهر وسوزان بشوى وعماد, يبدو انه لم يتعرف إلا على اسمى المحايد
أنصرفت وتعجبت لماذا أصبح عدائية هكذا مع الجميع وما الجديد كلنا نكذب وكلنا نحاول أختلاق القصص لنبرأ أنفسنا, زميلى لم يكن يقصد التشكيك فى الأستاذ ولا فى ولكنه يحاول أن يجعل  رسوبه مبررا, حزنت حتى من نفسى لأنى رغم كل ما قاله الأستاذ فى ذلك اليوم أكثر شىء يثير أستيائى هو أنه رفض البحث والقاه عملى فى الزبالة رغم أنى وأنا أعمل فيه ظننت أنه مختلف عن الباقى وأنه سيقرأ جميع الأبحاث وسيناقشنى فيه بإمعان, روحت اسأل عن نتيجة مادة الأستاذ الحقير وقلت لنفسى أنى اعرف أنى رسبت لكنى سأطمئن على صديقاتى رأيت اسماءهن أولا, هناك من نحج وهناك من رسب ثم فتشت عن أسمى وصعقت عندما قرأت أمامه "جيد جدا" تنهدت متعجبة وعرفت أنه حقير وجبان أيضا, انا لم استحق ذلك التقدير عندما حدث ما حدث أيقينت أنى لن أنجح فلم أهتم بالمادة وذهبت يوم الأمتحان لأستفزه فكرت أن أقدم تظلم وأقول أنه لو تم تصحيح ورقتى ثانية سيتأكد المحقق أنى لا أستحق النجاح ثم أروى المشاجرة وأثبت أنه يشترى صمتى لكنى لم أشأ أثارة المشاكل وأكتفيت أنى مررت أمام مكتبه وأبتسمت له فتظاهر أنه لم يرانى وتابع حديثه فى الهاتف
 عدت أمشى فى الرواق الدائرى وأنا أردد "كلب ... كلب" ثم تذكرت الكلب الأبيض ذو البقع البنية الذى ظل يرافقنى ويحمنى رغم ضعفه وأنا صغيرة بعد ان ضمدت له أحدى أرجله التى اصبيت فى حادثة دارجة بخارية ... تذكرت فرحته وهو قادم نحوى عيونه الحزينة المتعلقة بى نباحه القوى عندما يحس حتى أن أحدا ينظر إلى بسوء فأنهمرت دموعى وأنا أعتذر منه لأننى أشبه شخصا حقيرا بأخلاقه الكريمة ....

الثلاثاء، 31 مايو 2011

أفتح يا سمسم

وهكذا لم أره خلال عشرين عاما إلا عشرة شهور بمعدل شهر كل سنتين وانقسمت زيارته إلى فرحة عارمة أول أسبوع نبيت جميعا فى حضنه الدافئ ونفتح الحقائب المليئة بالهدايا والألعاب والملابس كأننا نفتح كنز على بابا وهذا للمصادفة كان أسم أبى لذلك كنا نفتح الحقائب ونحن نردد (أفتح يا سمسم), الأسبوعان الأوسطان كنا نشعر بالملل لأن نمط حياتنا تغير ونحن غير معتادين على وجوده ونجد صعوبة واختناق من أسئلته التي لا تنتهى وكان الحل أن نلتزم البيت فى ذلك الشهر ولا بأس أن نجلس معه, أما الأسبوع الأخير والذى كنا نسميه أسبوع البكاء لأننا نظل نبكى لأنه سيرحل ثانية وسيفصلنا عنه سبعمائة وثلاثين يوما, تحزن أمي إلى الحد الذى يجعلها تصمت سبع أيام سويا وعادة ما تشب المشاجرات بينهما لأنها تلح عليه بالبقاء والإكتفاء من الغربة والسفر وعندما تحين لحظة الوداع وتأتى تلك السيارة البيضاء ويركب وهو حزينا ثم نجرى وراء العربة حتى أخر الشارع ونحن نلوح له ونستجديه أن يعود وبعدها ننام نحن الثلاثة على سرير واحد ونظل نبكى حتى يغلبنا النعاس وفى الصباح يكون كل شعور بالحزن ذاب وتبخر ونعود لحياتنا العادية مسيطرا علينا أن كل ذلك كان حلما لكن الملابس الجديدة والسترات الغالية والأقلام والأدوات الهندسية التي نحملها إلى المدرسة ونتلقى الأعجاب بها من زملاءنا تذكرنا أنه لم يكن حلما, أخر مرة عاد فيها كان مختلفا عن كل مرة بالغ فى تقبيلنا وكان يبكى كلما أحتضن أحدنا, لقد بدا عليه السن أكثر من أي وقت مضى كان يقول أن النوم خسارة لأنه سيبعدنا عنه فصار ينام فى حجرتنا ومر الأسبوع الأول كعادته وجاء ملل الأسبوع الثاني كعهده وتجدد حزننا لأن الموعد للرحيل اقترب وفى يوم الخميس الأخير والذى نسهر فيه معه لأن تلك أخر ليلة أخبرنا لأول مرة أن لكل منا حسابا فى البنك بأسمه وأنه اشترى بيتا جديدا واسعا سننتقل إليه بعد أن يتم دهانه وأعطى كلا منا علبة بها بعض المشغولات الذهبية, أنا البنت الوحيدة وكانت علبتي أكبر أما أخوياي الباقيين فهي الشبكة التي سيقدمها لعروسيهما ثم نظر إلى الأجهزة التي نضعها فوق الدولاب وتحت السرير بل أننا نخصص لها حجرة كبيرة ولم يبد سعيدا ولم يشعر بالفرحة التي انتابتنا إيذاء كل تلك النعم قبلنا وخلد إلى النوم وكانت نومته الأبدية رحل هكذا فى صمت وبعد أن جريت وراء جنازته إلى أخر الشارع كما أعتدت أن اعدو وراءه وأنادي عليه وأتمنى أن تتوقف العربة  ويعود لنا وبدا لي ذلك شيء سهل التحقيق,  كنت اعرف تلك المرة أن هذا مستحيلا وبعد تعب هذا اليوم نمنا فى غرفة واحدة وبكينا حتى تورمت عيوننا ولم نستطيع مغالبة النعاس وفى الصباح تفاجئت أن حزني أنتهى واصبحت اذكر نفسي أن أبى مات ولم يسافر لكنى كنت أنسى ثانية وفهمت من حال اخوياي أن هذا هو شعورهما.
وهكذا لم استطيع الحزن عليه إلا ليلة واحدة لأنى كنت معتادة على رحيله ومازلت اتذكره واشتاق له كل عامين وأخجل حقا عندما أجدني مفتقدة الحقائب والهدايا أكثر منه بل أنى مازلت أفتح الحقائب الفارغة وأنا أردد (أفتح يا سمسم).